ابن بسام
331
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الطّرف ، وإن مالت أجفان ، وخطوط من الجمال كاعتدال الأنف ، وإن سقطت أسنان ، لكنها لم تفارق عطرها ، وإن كانت بعد عروس [ 1 ] ، ولا تركت بزّها [ 2 ] وإن لم تطمع بمسيس [ 3 ] ، ولا دنّست ثيابها ، وإن كانت أسمالا ، ولا عقّت [ 4 ] شبابها ، وإن تجاوزت اكتهالا ، فوقع بين قلبي ورونقها سفاح ، لم يصدّقه نكاح ، وأمتع شمّي بمعتّقها [ 5 ] لصوق ، لم يلحقه رفث ولا فسوق ، ووقفت بالقصر المروانيّ ، وطفت على المصنع القحطانيّ ، وانتبذت إلى المنزه العبديّ الرحمانيّ [ 6 ] ، فإذا الثلاث الأثافي والديار البلاقع ، فأخذت بالسنّة [ 7 ] في ديار ثمود ، أسكب الدموع وأمجّد المعبود ، فقال قريبنا [ 8 ] : هنا كانت قصورهم ، وهناك هي قبورهم ، قد صارت مفاصلهم ترابا ، ومساكنهم يبابا ، وقد عادوا يسكنون القبور ، وكانوا يستهجنون [ 9 ] القصور ، وظلوا يعتنقون الجلمود ، وكانوا يسترهفون [ 10 ] النهود ، وصاروا يلزمون / الطين ، وكانوا يملّون حشايا اللين ، فقلت : أين من كان هنا من القيول الأبية ، والملوك الأمويّة ، ذوي التيجان المنظومة بالمرجان ، والملابس المرقومة بالعقيان ، والفرش المرفوعة إلى السّكاك ، والعرش [ 11 ] الموضوعة على السّماك ، وقد نضّدت بالنمارق ، ومهّدت على الأرائك ، وحفّت بالجنود [ 119 ب ] عند القعود للسلام والأحكام ، وأين أسراب تلك الجواري الكنّس ، في مروط السّندس ، كأنها ما استعارت من الكثبان أكفالا ، ولا من الأغصان اعتدالا ، ولا من الروض أردانا ، ولا من الظباء أجفانا ، ولا رنت إحداهنّ عن جفن همّ بالتهويم ، فنبّهه النديم ، ونظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم [ 12 ] ، والآن : قد كحلت تلك العيون بالتراب ، وكان كحلها كحلا ، ولصقت تلك الخدود بالكثبان ، وكان تقبيلها أملا ، وانهالت تلك الأدعاص في
--> [ 1 ] إشارة إلى المثل : « لا عطر بعد عروس » ، فصل المقال : 427 ، والميداني 2 : 108 . [ 2 ] ب م : بريها ، ولعلها : « برهها » أي بضاضتها وترارتها ، المسالك : زيها . [ 3 ] المسيس : كناية عن النكاح . [ 4 ] ط س : عفت . [ 5 ] المسالك : وامتنع . . . بعبقها . [ 6 ] د ط س : المتنزه العبد رحماني . [ 7 ] ط د س : بالشبه . [ 8 ] ط د س : فقيل . [ 9 ] ط د س : يسكنون ؛ المسالك : يبتهجون بالقصور . [ 10 ] المسالك : يسترهقون . [ 11 ] المسالك : والعرش . . . والفرش . [ 12 ] انظر الآية 88 من سورة الصافات .